عماد الدين خليل
299
دراسة في السيرة
إلى المدينة بدليل ما ورد عن عدد منهم في سيرة ابن هشام وفي مغازي الواقدي . وهناك الكثير من الروايات والنصوص التاريخية التي تدل على أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان يعامل اليهود بعد غزوة خيبر بروح التسامح ، حتى أنه أوصى عامله معاذ بن جبل ( بألا يفتن اليهود عن يهوديتهم ) . وعلى هذا النحو عومل يهود البحرين إذ لم يكلفوا إلا بدفع الجزية وبقوا متمسكين بدين آبائهم . . وأهم من كل ذلك تلك الحقوق والامتيازات التي منحها الرسول لآل بني حنينة الخيبرية وأهل مقنا كما منح الرسول أسرا غير قليلة من أهل خيبر حقوقا لم يمنحها لبقية اليهود ، ما عدا الإقرار على الأراضي وإبقاءه لهم نصف الثمار - فإن هذا كان من حق كل يهود خيبر - وقد نص على ذلك ابن هشام والبخاري « 1 » . ومضت السنون الأخيرة من حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم والإسلام يزداد قوة ومنعة وانتشارا ، لكنه ما إن توفي صلى اللّه عليه وسلم حتى وجد اليهود المبعثرون في الجزيرة وبلاد العراق والشام بغيتهم المنشودة والتقوا بيومهم الموعود ، فراحوا يتكالبون ، كما تكالب غيرهم من أعداء الإسلام ، ضد الدولة التي مات قائدها ومؤسسها ، فليس من طبع المنهزمين عامة ، واليهود على وجه الخصوص ، أن يسكتوا على هزائمهم وهم لا بد أن يسعوا معتمدين أي أسلوب ، لاسترداد مواقعهم ومصالحهم التي جردوا منها ، وليس أدلّ في هذا المجال من حديث عائشة رضي اللّه عنها حيث تقول : « لما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ارتدت العرب ، واشرأبت اليهودية والنصرانية ، ونجم النفاق ، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، لفقد نبيهم صلى اللّه عليه وسلم حتى جمعهم اللّه على أبي بكر » « 2 » . ومن ثم فإن لنا أن نتصور - رغم قلة الروايات وانعدامها أحيانا - حجم الدور اليهودي في حركات الردة والتنبؤ في عهد أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه . . وفيما بعد في « الفتنة » التي زعزعت أركان الخلافة الراشدة ، والتي لعب ابن سبأ فيها - وآخرون غيره لم تنكشف أسماؤهم بعد - دورا خطيرا .
--> ( 1 ) ولفنسون : تاريخ اليهود ص 175 - 176 ، 177 ، 178 ، 181 ، وانظر البلاذري : فتوح 1 / 66 ، 85 ، 91 وانظر كذلك هامش رقم ( 6 ) في ص 294 . ( 2 ) ابن هشام ص 404 .